أحمد بن علي القلقشندي
66
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
إذا اشتبهت المسالك ، محقّقا ما توسّمناه فيه من مخايل الأصالة ، ودلائل الجزالة ، مصدّقا ما استلمحناه من كفايته وغنائه ، واستوضحناه من استقلاله واستقصائه ، وأن يبدأ فيرتّب في كل معاملة أمينا من الثّقات الكفاة ، مشهودا له بالنّهضة والأمانة المستوفاة ، وأن يزمّ ( 1 ) الأعمال القاصية والدانية ، والبلاد القريبة والنائية ، بالضبط المستقصي ، والحفظ المستوفي ، وبمن يرتّبه عليها من الكتّاب الأمناء ، ويستصلحه لها من الحفظة النّصحاء ، ويتتبّع حال من بها من النّوّاب : فمن شهدت له التجربة بالكفاية ، ودلّ الاختبار منه على العفّة والأمانة ، استدامه في خدمه المنوطة به ، وطالع من حاله بما يقضي له حسن النظر بحسبه ، ومن ألفاه متنكَّبا سبيل الأمانة ، مقارفا طريق العجز والخيانة ، بادر إلى الاستبدال به ، وعجّل قطع ما بينه من الخدمة وبين سببه ، وأن يسترفع البواقي من الأموال ، في سائر الجهات والأعمال ، إلى آخر التاريخ الذي تليه مباشرته ، ويتصل بآخره مبدأ نظره وفاتحته ، موشّحة أوراق ذلك بخطوط الأمناء ، مفصلة جهاته بأسماء المعاملين والضّمناء ، حتّى إذا حملت إليه ، وصارت حجّة على رافعها في يديه ، طالبه بمواقفة من هو في ذمّته ، وتقدّم بعد تصديقه على ذلك بمضايقته بعد المطالعة بجليّ الحال وحقيقته . ثم يسترفع من مستوفي الديوان وعمّاله شروط الضّمّان ورسومهم ، وقواعدهم في الضمان وعوائدهم : ليكون علم ذلك عنده مبيّنا ، ووقت مساس ( 2 ) الحاجة إليه حاضرا ، ويطالب بجرائد ( 3 ) الضّياع خاصّها ومقطعها المشتملة على ذكر رسومها وحقوقها ، وعدد فدنها ومقاسها ، وجرائد الخراج اللازم لأرباب الأملاك على أملاكهم ، وتحقيق المصفوح عنه والمسامح به والباقي على الأداء في جهته ، وجرائد الجزية مفصّلة في نواحيها ، وأسماء أربابها إلى حين رفعها - وأن يطالب نوّاب الجزية في كل شهر بختمة
--> ( 1 ) الزمّ هنا بمعنى الإشراف والحكم . ( 2 ) كذا بالأصل . ولعلّ الصواب « مسيس الحاجة » . ( 3 ) الجرائد : مفردها جريدة ؛ وهي كالصحيفة تسجل فيها المنشورات .